ويظل الإعلام حقنة ورصاصة
بقلم د. سامي عبدالعزيز
لينظر كل منا إلي اتجاهات وسلوكيات ابنائه الذين تتوافر لهم امكانات ومهارات التعامل مع تكنولوجيا الاعلام الحديثة.
فمن المؤكد انه سيلحظ تغييرات واضحة وملموسة في اغلب إن لم يكن في كل ابعاد شخصيتهم بداية من مظهرهم واسلوب اختيارهم لملابسهم, ومرورا بالفاظهم وطريقة تعبيرهم وانتهاء باسلوب تفكيرهم وتصرفاتهم وكيفية تعاملهم مع المحيط الاسري والاجتماعي والمجتمعي بصفة عامة, وبالتالي نظرتهم الكلية للحياة بكل جوانبها.
ولينظر كل منا خارج هذا السياق الشخصي لردود افعال العالم كله باختلاف جنسياته ولغاته وثقافته واوضاعه الاقتصادية والسياسية امام رحلة أوباما منذ ان ترشح كممثل للحزب الديمقراطي إلي ليلة تنصيبه وخطبته الشهيرة المتميرة.
فمن المؤكد وبعيدا عن وجود ادلة استند اليها سواء من خلال دراسات ميدانية أو تحليلية ان صورة الولايات المتحدة الأمريكية ان لم تكن قد تغيرت واتجهت إلي الايجابية فانه علي الاقل فقد تكون لدي اغلب الناس الاستعداد لاعادة النظر في انطباعاتهم ومدركاتهم نحو الولايات المتحدة الأمريكية كدولة أو شعب أو رئيس.
انني وان كنت قد دعوت الجميع لما سبق فانني دعوت نفسي من قبلهم لكي اسأل سؤالا بسيطا إلا وهو: من اين جاءتني حالة الرعب التي دفعتني إلي اعادة النظر في اسلوب تعاملي مع أولادي والذين يمثلون ابناء جيلهم ولايختلفون عنهم كثيرا؟
ففي احدي الامسيات خلال الاسبوع الماضي وجدت نفسي ملتصقا بمقعدي وانا اشاهد برنامجا تليفزيونيا بثته إحدي المحطاتس الفرانكفونية الموجهة للعالم كله.
فعلي مدار ساعتين شاهدت تأثير الانترنت ومواقعها ومضامينها, وكذلك التليفزيون علي اتجاهات وسلوكيات المراهقين بين سن11 ـ15.
رأيت بالتحقيق المصور والموثق مظاهر العنف اللفظي والمادي سواء بين ابناء هذا الجيل مع بعضه البعض أو بينهم وبين اولياء امورهم.
رأيت الوقوع في الخطأ والخطيئة نتيجة انفراد تكنولوجيا الاعلام بهؤلاء الابناء.
رأيت سوء استخدام المنحرفين والشاذين والمرضي لهذه التكنولوجيا للايقاع بهؤلاء الاولاد الابرياء المتروكين من جانب آبائهم وامهاتهم إلي حد الاعتداء الجنسي البشع عليهم.
وانتهي البرنامج وهو يطالب ـ وتخيلوا الاعلام في مجتمعات ليبرالية منفتحة تماما ـ يطالب اولياء الامور بالتدخل وضبط علاقة ابنائهم بتكنولوجيا الاعلام الحديثة وضرورة التعرف علي مشاهداتهم ومحاوراتهم.
كل هذه الظواهر تجعلني اطرح خارج جدران الجامعة قضية علمية وتطبيقية ألا وهي حدود تأثير الاعلام عامة والتليفزيون خاصة, والانترنت بصفة اخص, فمن يراجع التراث العلمي في مجال الدراسات الاعلامية يلحظ ان اغلب الباحثين لديهم شبه قناعة, ان لم تكن قناعة تامة بان النظرية الاعلامية القديمة التي اطلق عليها روبرت واين نظرية الحقن تحت الجلد او نظرية الرصاصة وهي تعبيرات مجازية توضح قدرة وسائل الاعلام علي اختراق عقل وجسد الفرد عبر استراتيجية تأثيرية محددة الهدف من جانب المرسل والمحفظ قد انتهت.
وتبريرهم لذلك ينطلق من وجود مؤثرات وسيطة تتعلق بالفرد وخصائصه ومحيطه الاجتماعي من شأنها تقليل أو تحجيم التأثير المباشر لوسائل الاعلام.
والحقيقة ان الشواهد التي ذكرتها في بداية المقال بالاضافة إلي عدة دراسات حديثة في مصر وخارجها تتناقض مع رؤية هؤلاء الباحثين, وتنطلق تبريراتي بان نظرية الحقنة او الرصاصة قد عادت بقوة تستند إلي التطور التكنولوجي المبهر الذي زاد من قدرة تأثير وسائل الاعلام إلي حد الاختراق للوعي واللاوعي, كما انها تستند إلي الانفصال الاجتماعي عامة والاسري خاصة مما جعل المتلقي فريسة ضعيفة امام جبروت الالة الاعلامية بالاضافة إلي مشاعر الغربة التي تنتاب شباب هذا الجيل مما يجعله يبحث عما يؤنس وحدته ويشبع رغباته المكبوتة.
ان حقنة الاعلام اصبحت اشد, ورصاصة الاعلام اصبحت اقوي, الأمر الذي يتطلب منا جميعا ان نعيد النظر في رؤيتنا لتأثيرات الاعلام وحدودها.
الباحثون مطالبون بأساليب بحثية غير تقليدية تبتعد عن التفكير الميكانيكي والمقاييس التقليدية في اجراء البحوث واستخلاص نتائجها.
المخططون الاعلاميون مطالبون بإعادة اساليب تقييمهم لما ينتجونه ولما ينافسونه, وفي هذا الصدد فأنني اقول انني لا اخشي من المحتوي الاعلامي السياسي المباشر فالخطورة تكمن اكثر وأكبر في المحتويات الاعلامية ذات الطابع الاجتماعي والدرامي والترفيهي خاصة تلك المضامين الغربية التي تبث عبر شبكات تليفزيونية عربية.
لقد وصلتني دراسة قام بها مواطن عربي انتظم في مشاهدة باقة قنوات تليفزيونية فضائية عربية مفتوحة, لقد خرج هذا المشاهد العادي المتعمق والذي لم يدع انه باحث بدراسة لا ابالغ اذا وضعت لها عنوان سموم فضائية.
فبنعومة وسلاسة اصبحت مشاهدة شواذ يعيشون معا سلوكا طبيعيا في مسلسل غاية في الاثارة, واصبحت محاولة ام اقناع اولادها بتقبل ابيهم الشاذ في عقدة درامية محبوكة بحرفية عالية نموذجا يحتذي به.
ولامانع ان نري معالجا نفسيا أو طبيبا يقيم علاقة خاطئة مع احدي مريضاته له ما يبرره, ولا مانع ايضا من أن نري ضابطا مرتشيا بدعوي انخفاض دخله.
والاخطر من كل ذلك ان نري وعبر اثارة درامية ماجد وعبدالله ارهابيين مسلمين يحتجزان جيرانهما غير المسلمين مما يجعل اغلب المسلمين المقيمين في الخارج ارهابيين بطبيعتهم.. انها الحقنة والرصاصة الاعلامية التي تصوب الينا كل يوم.